محمد عبد المنعم خفاجي

378

الأزهر في ألف عام

يجتمع مع الأصوات الأخرى ، فإذا الأزهر كله خلية نحل لا تكف عن الهمهمة ، بل ما يشبه الضجيج . . وكان كلاهما يحول بيني وبين أن يأخذني النوم الذي كان يطاردني إذا آثرت أن أبقى في البيت . وفرغت من دراستي الثانوية ، والتحقت بكلية الحقوق ، وعمي يرعاني ، وصلتي بالأزهر لا تنقطع ، أغشاه لكي أقرأ وأدرس ، وأغشاه لكي أجلس إلى زملاء عمي من طلاب الأزهر ، وأنصت أحيانا إلى ما يقرأون فلا أفهم شيئا أيضا على الرغم من أنني حينئذ كنت قد بلغت من الفهم والدرس ما أفضي بي إلى الدراسة الجامعية . . ومرت الأيام وتخرجت ، وافترقت الحظوظ بيني وبين من عرفت من طلاب الأزهر ، ولكن صورة الأزهر ظلت خيالا يلازمني طوال حياتي ، وقرأت ما قرأت ووعيت ما وعيت وأدركت من تاريخ الأزهر الكثير ، واقترنت القراءة عنه بالصورة التي كابدتها وعرفتها وثبتت في خيالي وكنت أزوره بين الوقت والآخر ، صحيح أن الفترات بين زياراتي كانت متباعدة ، ولكنني كنت أزوره لكي تظل صورة هذا المسجد العتيق العريق الأمين حية في خاطري وقد اقترنت في حياتي بمطلع صباي ، وقرأت تاريخه منعما متأملا ، وقارنت بين مراحل تاريخه والمرحلة التي كان يعيش فيها ، فوجدت الفرق الكبير بين الصورتين . . كان الأزهر فيما مضى ومنذ إنشائه إلى تاريخه الوسيط منارة العلوم الدينية والدنيوية ، كان ينبوع المعرفة في الطب والفلك والهندسة والكيمياء والجغرافيا إلى جانب المعرفة في علوم الدين . كان يقدم للوطن والإسلام خلاصة الرجال الذين رفعوا ذكره ورفعوا عنه العدوان . . كان المنارة التي تشع المعرفة بكل أنواعها في العالم الإسلامي والعالم العربي . ثم شاءت ظروف الحكم والسياسة وقهر الشعب أن ترد الأزهر بعض الشيء عن المشاركة الفعلية في حياة البلاد ، فقصرته